العيني

30

عمدة القاري

الخبث ) ، بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة أي : لم يبلغوا فعل المعاصي . قال : وهذا لا يعرف ، إنما هو الحنث وهو المحفوظ . قال أبو المعالي في ( المنتهى ) : بلغ الغلام الحنث أي : بلغ مبلغا تجري عليه الطاعة والمعصية . وفي ( المحكم ) : الحنث الحلم ، وقال الخليل : بلغ الغلام الحنث أي : جرى عليه القلم ، والحنث الذنب ، قال تعالى : * ( وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) * ( الواقعة : 64 ) . وقيل : المراد بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث ، وقال الراغب : عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه ، بخلاف ما قبله قوله : ( إلاَّ أدخله الجنة ) ، هذا الاستثناء وما بعده خبر قوله : ( وما من مسلم ) . قوله : ( بفضل رحمته ) أي : بفضل رحمة الله للأولاد ، وقيل : إن الضمير في : رحمته ، يرجع إلى الأب لكونه كان يرحمهم في الدنيا فيجازى بالرحمة في الآخرة ، ورد ذلك بأن الضمير يرجع إلى الله تعالى ، بدليل ما روى في رواية ابن ماجة من هذا الوجه ، بفضل رحمة الله إياهم . وفي رواية النسائي ، من حديث أبي ذر : ( إلاَّ غفر الله لهما بفضل رحمته ) وكذا في حديث الحارث بن وقيش ، وقد مر عن قريب ، وكذا في حديث عمرو بن عبسة وقد مر أيضا ، فكأن هذا القائل لم يطلع على الأحاديث المذكورة ، وتصرف فيما قاله . قوله : ( إياهم ) ، الضمير يرجع إلى قوله : ( ثلاثة من الولد ) ، وقال الكرماني : الظاهر أن المراد به المسلم الذي توفيت أولاده ، لا الأولاد ، وإنما جمع باعتبار أنه نكرة في سياق النفي تفيد العموم . قلت : الظاهر غير ظاهر لأن في غير طريق هذا الحديث ما يدل على أن الضمير للأولاد ، وذلك في حديث عمرو بن أبي عبسة وأبي ثعلبة الأشجعي ، وقد مر ذكرهما ، وقد تكلف الكرماني فيما قاله لعدم اطلاعه على هذه الأحاديث ، وقد علم أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ، ولا سيما إذا كانت في قضية واحدة ، فافهم . ذكر ما يستفاد منه : فيه : خص الصغير لأن الشفقة عليهم أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر ، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب ، وإن كان في فقد الولد مطلقا أجر في الجملة وعلى هذا كثير من العلماء ، لأن البالغ يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة ، بخلاف الصغير فإنه لا يتصور منه ذلك ، لأنه غير مخاطب . وقيل : بل يدخل الكبير في ذلك من طرق الفحوى لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه ، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي ووصل له منه النفع ، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق ؟ قال هذا القائل : دليل هذا هو السر في إلغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة . قيل : يقول الأول : قوله : ( بفضل رحمته إياهم ) لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم ؟ قلت : رحمة الله واسعة تشمل الصغير والكبير فلا يحتاج إلى التقييد . فإن قلت : هل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلاً واستمر على ذلك فمات ؟ قلت : الظاهر أنه يلحق لعدم الخطاب . فإن قلت : في الناس من يكره ولده ويتبرأ منه ، ولا سيما إذا كان ضيق الحال ؟ قلت : لما كان الولد مظنة المحبة نيط بها الحكم ، وإن كان يوجد التخلف في بعض الأفراد . فإن قلت : هل يدخل أولاد الأولاد في هذا الحكم ؟ قلت : الحديث الذي أخرجه النسائي من طريق حفص بن عبيد الله عن أنس عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة . . ) الحديث يدل على أن أولاد الأولاد لا يدخلون ، وكذلك حديث عثمان بن أبي العاص ، ( رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام ) ، وقد مر عن قريب ، ولكن الظاهر أن أولاد الأولاد الذكور منهم يدخلون ، وأولاد البنات لا يدخلون ، وفيه : التقييد بالإسلام ليدل على اختصاص ذلك الثواب بالمسلم فإن قلت : من مات له أولاد في الكفر ثم أسلم هل يدخل فيه ؟ قلت : حديث أبي ثعلبة الأشجعي وحديث عمرو ابن عبسة اللذين قد ذكرا عن قريب يدلان على عدم ذلك . وفيه : دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة . قال في ( التوضيح ) : وهو إجماع ، ولا عبرة للمجبرة حيث جعلوهم تحت المشيئة ، فلا يعتد بخلافهم ولا بوفاقهم . وفي أطفال المشركين اختلاف بين العلماء ، فذهب جماعة إلى التوقف في أطفال المشركين أن يكونوا في جنة أو نار ، منهم ابن المبارك وحماد وإسحاق لحديث أبي هريرة : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأطفال ؟ فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين ) . كذا قال : الأطفال ، ولم يخص طفلاً من طفل . قال الطبراني في ( معجمه الأوسط ) : روي أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال لعائشة في أطفال المشركين : ( إن شئت دعوت الله تعالى أن يسمعك تضاغيهم في النار ؟ ) وقال سمرة بن جندب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أولاد المشركين هم خدم أهل الجنة ) . وروي عنه أنه سئل عنهم فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين ، فرجع الأمر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أعلم بما كانوا عاملين ، فمن سبق علم